أبي حيان الأندلسي

369

البحر المحيط في التفسير

استثنى بها شيء واحد ، وهو الدرهم . ويكون إلّا درهما استثناء مفرغا من المفعول الذي حذف ، ويصير المعنى : ما أخذ زيد شيئا إلّا درهما . وتصحيحها عند أبي علي بان يزيد فيها منصوبا قبل إلّا فيقول : ما أخذ أحد شيئا إلّا زيد درهما . و : ما ضرب القوم أحدا إلّا بعضهم بعضا ، فيكون المرفوع بدلا من المرفوع ، والمنصوب بدلا من المنصوب ، هكذا خرجه بعضهم . قال ابن السراح : أعطيت الناس درهما إلّا عمرا جائز ، ولا يجوز أعطيت الناس درهما إلّا عمر الدنانير ، لأن الحرف لا يستثنى به إلّا واحد ، فإن قلت : ما أعطيت الناس درهما إلّا عمرا دانقا ، على الاستثناء ، لم يجز ، أو على البدل جاز ، فتبدل عمرا من الناس ، ودانقا من درهم ، كأنك قلت ما أعطيت إلّا عمرا دانقا . ويعني : أن يكون المعنى على الحصر في المفعولين . قال بعض أصحابنا : ما قاله ابن السراح فيه ضعف ، لأن البدل في الاستثناء لا بد من اقترانه بإلّا ، فأشبه المعطوف بحرف ، فكما لا يقع بعده معطوفان لا يقع بعد إلّا بدلان انتهى كلامه . وأجاز قوم أن يقع بعد إلّا مستثنيان دون عطف ، والصحيح أنه لا يجوز ، لأن إلّا هي من حيث المعنى معدية ، ولولا إلّا لما جاز للاسم بعدها أن يتعلق بما قبلها ، فهي : كواو مع وكالهمزة : التي جعلت للتعدية في بنية الفعل ، فكما أنه لا تعدّى : واو مع ولا الهمزة لغير مطلوبها الأول إلّا بحرف عطف ، فكذلك إلّا ، وعلى هذا الذي مهدناه يتعلق : من بعد ما جاءهم البينات ، وينتصب : بغيا ، بعامل مضمر يدل عليه ما قبله ، وتقديره : اختلفوا فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ الذين آمنوا : هم من آمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والضمير : فيما اختلفوا ، عائد على الذين أوتوه ، أي لما اختلف فيه من اختلف ، ومن الحق تبيين المختلف فيه ، و : من ، تتعلق بمحذوف لأنها في موضع الحال من : ما ، فتكون للتبعيض ، ويجوز أن تكون لبيان الجنس على قول من يرى ذلك ، التقدير : لما اختلفوا فيه الذي هو الحق . والأحسن أن يحمل المختلف فيه هنا على الدين والإسلام ، ويدل عليه قراءة عبد اللّه : لما اختلفوا فيه من الإسلام . وقد حمل هذا المختلف فيه على غير هذا ، وفي تعيينه خلاف : أهو الجمعة ؟ جعلها